بسم الله الرحمن الرحيم
الفصل الأول: مرحلة الطفولة والدراسة
ولد حضرة آية الله العظمى المحقق الكابلي (دام ظله العالي) في صيف 1307 هجري شمسي في قرية واقعة في شمال غرب كابل وفي عائلة متدينة ومخلصة لأهل البيت (عليهم السلام) وكان الجو الحاكم على العائلة هو التربية والتعليم لذا خطئ أول خطوات التعليم داخل محيط العائلة التعليمي وبدا المرحلة الابتدائية في سن السابعة من عمره على يد أخيه نور احمد (رحمة الله عليه) وتعلم القران الكريم والمنهج التعليمي الفارسي الرائج في وقته.
بعد طي هذه المرحلة الابتدائية بدا بالدراسة في محيط تعليمي خارج محيط العائلة فدرس العلوم العربية والإسلامية والأدبية مثل الصرف والنحو والمعاني والبديع وغيرها والمنطق والفقه والأصول. وبسبب فقدان نظام تعليمي منظم ومتطور وعدم وجود مدرسة وحوزة علمية حاول أن يدرس هذه المتون بصورة مكثفة وعلى الطريقة الرائجة عند مشايخ منطقته وكابل.
وعلى الرغم من وجود المشاكل من الناحية التعليمية والإمكانات والتقلبات السياسية والثقافية والدينية الحاكمة على المجتمع الأفغاني تابع بكل جد واجتهاد وبعلاقة شديدة دروسه الحوزوية وتعلم العلوم الإسلامية ودرس في هذه المدة كتب دراسية مهمة مثل جامع المقدمات، شرح ملا جامي، المغني، والسيوطي، والمطول، (متون دروس الآداب العربية) وحاشية ملا عبد الله (متن درس المنطق) معالم الأصول، القوانين (متون دروس أصول الفقه) وكتاب شرح اللمعة الشريف (متن درس الفقه وميراث الشهيدين القيم رحمهما الله) وبالوصول إلى الحد النهائي لامكانية إكمال الدراسة في مدينة كابل فقد انتفت عمليا أرضية الاستمرار في الدراسة.
وكان (دام ظله) ذو استعداد كبير وعلاقة شديدة لتعلم العلوم الإسلامية ومن جهة أخرى عمليا كان لا يمكنه إكمال الدارسة في مدينة كابل ولذا بقي في حيرة شديدة في مدينة كابل.
وبعد التوكل والاعتماد على الله تبارك وتعالى والتوسل بأهل البيت (سلام الله عليهم أجمعين) صمم أن يسلك الطريق إلى حوزة النجف الأشراف ليفتح له يوم جديد من العلم والهداية الإلهية.
وقصة سفره من مدينة كابل إلى إيران ومن هناك إلى العراق والى النجف الأشراف تلفت الانتباه وفيها الكثير من الأمور التعليمية.
ومن بداية سفره حتى الالتحاق بحوزة النجف الأشراف العلمية وخلال أيام دراسته كان تحت الألطاف الإلهية والعناية الخاصة لأهل البيت (عليهم السلام) ورفعت جميع المشكلات الإدارية وغيرها على وجه السرعة والمعجزة (من حيث لا يحتسب) الواحدة تلو الأخرى.وهيئت الأرضية للوصول إلى المقصود.
وقصة سفره كانت من هنا: في خريف 1332 هجري شمسي كان مجموعة من مؤمني المنطقة يستعدون للسفر إلى النجف وكربلاء لاجل زيارة المراقد الشريفة وكان من ضمن المجموعة أحد أساتذته اسمه الشيخ محمد وأخته وأيضا كانت معهم.وبعد طي مراحل اخذ الجواز والعزم على السفر ذهب (دام ظله) إلى منزلهم ليودعهم فاقترحوا عليه أن يرافقهم إلى مدينة كابل فوافق (دام ظله) على اقتراحهم وذهب إلى مدينة كابل معهم. وفي خلال طريقه إلى مدينة كابل وبصورة الإلهام صمم أن يسافر مع هذه القافلة القاصدة زيارة المراقد الشريفة وقد حصل على جواز سريعا وبصورة المعجزة ثم أخذ تأشيرة الدخول إلى إيران من مدينة هرات ومن هناك قصد إيران ثم اخذ تأشيرة الدخول إلى العراق من مدينة كرمنشاه (باختران) ومن ثم قصد المراقد الشريفة بجواز رسمي ومن دون وجود أي مشكلة!! وهذا لا يكون بغير لطف الإلهي وإرادة أهل البيت (سلام الله عليهم أجمعين) لشيعتهم المخلصين.
وفي عام 1332 هجري شمسي التحق بحوزة النجف الأشراف العلمية وبدا بدراسة المتون القيمة في الحوزة العليمة للفقه والأصول يعني (الرسائل والمكاسب) (الأثر والميراث القيم لوحيد الفقه والفقاه العالم الفقيه الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري رحمة الله عليه) واستفاد من محضر رجال الحوزة العليمة في النجف الأشراف كآية الله السيد عبد الأعلى السبزواري (رحمه الله) وآية الله الشيخ كاظم التبريزي وآية الله السيد عبد الحسين رشدي وآية الله الشيخ محمد تقي آل راضي وأنهى دراسة كتاب الكفاية المهم (الميراث القيم زعيم الفقه والفقاه الاخوند الهروي الخراساني رحمة الله عليه) على يد الأساتذة العظام كالمرحوم شيخ صدرا والمرحوم الشيخ مجتبى وأنهى مقدار من كتاب شرح المنظومة الفلسفي العميق (الأثر وتجلي الأفكار العالية المنطقية المتكلم والفلسفي الفيلسوف الشهير ملا هادي السبزواري) عند الشيخ عباس قوجاني.
بعد الانتهاء من مرحلة السطوح العالية صعد إلى قمم المعارف العالية وخطئ خطوة نحو درجات الاجتهاد وفي صيف عام 1334 هجري شمسي حضر حلقة درس الخارج للأصول عند آية الله العظمى السيد الخوئي (قدس سره) وكذلك كان يحضر في حلقة درس الخارج للفقه (من كتاب المكاسب) عند آية الله الشيخ محمد باقر الزنجاني.
ولعله في عام 1336 هجري شمسي بدا آية الله العظمى السيد الخوئي رحمة الله عليه زعيم الفقه والأصول والرجال وجميع العلوم الحوزوية بدا درسه الخارج للفقه حسب ترتيب الكتاب الفقهي القيم العروة الوثقى (الميراث العظيم لآية الله السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي رحمه الله) فحضر آية الله العظمى المحقق الكابلي (دام ظله العالي) درس الخارج للفقه عند آية الله العظمى السيد الخوئي رحمه الله.
وبعد أن أنهى درس الخارج لكتاب المكاسب عند آية الله الشيخ محمد باقر الزنجاني حضر في درس الخارج للفقه عند زعيم حوزة النجف الأشراف آية الله العظمى السيد الحكيم (رحمه الله) وكذلك حضر مدة في در س الخارج للفقه عند الله السيد حسين الحمامي ودرس الخارج للأصول عند آية الله الشيخ حسن الحلي.
ومع حضور آية الله العظمى المحقق الكابلي (دام ظله العالي) في حلقات درس الخارج عند كبار وأساطين الحوزة العلمية في النجف الأشراف لم يغفل عن متون دروس السطوح العالية التي تهيئ الأرضية للاجتهاد مطالعةً وتدريساً وتحقيقاً من اجل إحكام الأساس الفقهي والأصولي للاجتهاد والتسلط على منابع الاستنباط فكان يدّرس الكتب الدراسية كشرح اللمعة والقوانين والرسائل والمكاسب وكفاية الأصول إلى جنب درسه الخارج الذي يلقيه على طلاب العلوم الدينية. واصبح من أساتذة حوزة النجف الأشراف العلمية وأوجد حلقات ودروس حوزوية متعددة.
ثم بعد ذلك وبالجهد المستمر وخلال السنوات الطوال والحضور المستمر لدروس الخارج عند العظام من رجل الحوزة العلمية وبالتدريس والتحقيق والعون الإلهي وعناية الأئمة الأطهار (سلام الله عليهم أجمعين) صعد إلى أعلى مراحل معرفة العلوم الحوزوية ووصل إلى قمة الاجتهاد العالية.
تقريراته وآثاره العلمية وتحقيقاته خلال مسيرته:
1_ تقريرات درس الخارج للفقه لآية الله العظمى الخوئي (رحمه الله) حسب ترتيب متن العروة الوثقى إلى أواخر كتاب الصلاة وتم خلال أربع عشرة سنة تقريبا وكان خلال هذه المدة يحضر بشكل منظم ويدون ما يستفيده بدقة ثم يضيف عليها تحقيقاته ونظراته فهيئ ونظم مجموعة من الدفاتر من هذه الأبحاث وطبع جزء واحد باسم تحرير العروة وبقيت حدودا تسعة أجزاء لم تطبع.
2_ كذلك تقريرات درس الخارج للأصول لآية الله العظمى الخوئي (رحمه الله) كتبه بدقه وباسم (أنقح التقريرات) ونظمه بطريقة قلمه الشريف ومن هنا بعد أن طبعت تقريرات الأصول لآية الله العظمى الخوئي (قدس سره) بتوسط أحد طلابه امتنع (دام ظله) من طبع (أنقح التقريرات).
3_ بقية تقريرات دروس الخارج للفقه والأصول للأساتذة الذين حضر عندهم أيضا كتبت ونظمت بشكل دقيق ومرتب.
خصوصياته خلال أيام الدراسة :
وان كانت هذه الخصوصيات ذات فائدة تعليمية وتربوية لكل المتعلمين ولكنها لطلاب العلوم الدينية والجامعيين والتلاميذ وجميع العناصر المثقفة تكون لازمة لانهم بحاجة إلى سير عملي اكثر من غيرهم ولهم فيها أيضا فوائد تعليمية.
1_ التوكل والتوسل والتهذيب والتهجد
لم يضيع (دام ظله) خلال أيام الدراسة وبعدها حالة التوكل على الله تبارك وتعالى والتوسل بالأئمة الأطهار (عليهم السلام) وكان على ارتباط دائم مع مجاري الفيض الإلهي وكذلك كان دائما طالباً مجتهداً ومهذبً ومنظماً. بحيث لا يترك المستحبات وكثير الانشغال بالزيارات والأوراد والأذكار والأدعية وكانت هذه الجهات المعنوية يعني التوكل والتوسل والتهجد والتهذيب هي أساس عوامل التوفيق والاطمئنان والاستمرار خلال أيام دراسته. وأيضا وبذكر (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) وبالتوجه نحو الأمور المعنوية والتقوى الإلهية فان الألطاف الإلهية دائما تكون شاملة لحاله (دام ظله العالي) وتمده بالإرادة والعزم ليقف أمام جميع المشاكل التي تواجه مسيرته الدراسية.
طلبة العلوم الدينية وجيل الطلاب الشباب وجميع علمائنا ومثقفينا ينبغي أن يلتفتوا إلى أن العلم والفن الذي لا يبعث على الالتزام زائل وحجاب اكبر وان صاحبه يهنئ به لأيام معدودة في هذه الدنيا.
والواقع هو أن العلم الخالي من الالتزام والتهذيب إنما هو سلسلة محفوظات وادراكات يتعلمها الإنسان بسهولة أو بصعوبة وأيضا بكل سهولة يفقدها! وهكذا علم حصولي صرف وهو ترتيب صغرى وكبرى واستنتاج لا يصل بصاحبه إلى الهدف الواقعي والكمال المطلوب فكيف إذا كانت له تبعات مخربة وهادمة للفرد والمجتمع.
2_ تحمل المصاعب والمشاكل:
طلبة العلوم الدينية وجميع الطلبة الشباب من الأفغان في بداية دارستهم أو في وسطها يواجهون مشاكل عديدة كالفقر وضيق اليد والغربة والوحدة وفقدان السكن والمشاكل الإدارية لذا ينبغي علينا أن نقتدي بالسيرة العملية لكبار الدين من الفقهاء والمراجع العظام حيث كانوا يواجهون خلال أيام دراستهم المشاكل التي لا تتحمل ولكن بتحمل جميع المشاكل وبالتوكل والتوسل استمروا في الدراسة.
ورافقت سماحة آية الله العظمى المحقق الكابلي (دام ظله العالي) المشاكل والصعاب الكثيرة خلال أيام دراسته كمشكلة السكن والإيجار وقلة الإمكانات المادية ولكن بالتوسل بالأئمة الأطهار (عليهم السلام) وقف كالجبل أمام كل هذه المشاكل واكمل دراسته ومنذ الأيام الأولى عند تشرفه بالنجف الأشراف إلى مدة طويلة كان يعيش في ضيق يد وواجه مشكلة السكن حيث حاول كثيرا في بداية الأمر على أن يحصل على غرفة في إحدى المدارس ولكن لم يوفق لذلك حتى اجبر على أن يذهب إلى آية الله العظمى السيد الحكيم (رحمه الله) ويشرح له وضعه ويعرض له حاله فيأمر آية الله العظمى السيد الحكيم متولي المدرسة السيد كاظم اليزدي بان يعطيه غرفة في المدرسة.
3_ البرنامج الدقيق في الحياة:
يشير التاريخ إلى أن الرشد والكشوفات العلمية وتقدم العلماء في المجتمعات الإنسانية وصعودهم إلى قمة العلم والفكر والابتكارات العلمية والعملية الحديثة مرهون بالجد والنظم والحساب الدقيق في حياة هؤلاء العلماء.فانه لا يمكن الدراسة ونيل أي علم وتخصص بالتكبر وعدم النظم وبالهرج والمرج. وانتظار النتيجة مع هكذا أمر خلاف التاريخ والسنة الإلهية.
فالشعب المتكبر وغير المنظم وغير المتحد لا يمكن أن يصل إلى المراحل العليا من التكامل العلمي والتمدن الإنساني وسيكون دائما متأخرا عن ركب قافلة التكامل العلمي والفكري للمجتمع البشري.
النظم الدقيق في حياة سماحة آية الله العظمى المحقق الكابلي (دام ظله العالي) قدوة لنا فخلال أيام دراسته وبعدها كان يقسم ساعات ودقائق عمره الشريف والمثال البارز في هذا النظم الدقيق وخلال أيام دراسته هو الحضور المنظم والدائم في جلسات الدرس ولا نرى في برنامجه الدراسي اقل تخلف أو عدم انضباط وهذه الصفة محل تعجب للأفراد العاديين بحيث خلال سبع عشرة سنة مدة حضوره في درس الخارج لم يغب عن الدرس إلا جلسة أو جلستين وجميع الجلسات الأخرى لدرس الخارج كان يحضرها بشكل منضبط ومنظم وعلى راس الساعة.
4_ نظرة على مطالعاته:
كثير من طلبة العلوم الدينية يقعون في منهاجهم الدراسي والتحقيقي ومطالعاتهم إما في الإفراط أو التفريط فإما أن يهتموا بدراسة المنهج الأساسي ويغفلوا عن المطالعة والتحقيق في مواضيع أخرى لازمة وإما أن يضعوا ثقل عملهم في المواضيع والأبحاث الفرعية وكلاهما على خطأ.
وعلى الرغم من كثرة مشاغل سماحة آية الله العظمى المحقق الكابلي (دام ظله العالي) وثقل العمل التحقيقي والدراسي لمتون الحوزة العلمية إلا انه لم يغفل عن جميع المواضيع الفرعية والمطالعة ولذا خصص جزء من وقته الشريف لمطالعة المسائل الاعتقادية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية وممارسة الخطابة وغيرها.