back page Index Page next page


5_ الانشغال بدراسة المقدمات في حين انشغاله بالسطوح العالية:

كما أشرنا سابقا أن طريقته في الدراسة هي: في حين دراسة السطوح العالية وحضوره في درس الخارج لم يغفل أبدا عن المنهج الدراسي الأساسي لمرحلة المقدمات (وان كان قد درسها بدقة) إلا انه بأفق فكري اكبر ونظرة تحقيقية عميقة كان يطالعها ويحققها ومن ثم يدرسها.وهذه نقطة ذات أهمية كبيرة لطلبة العلوم الدينية وخصوصا الطلبة الذين يخطون نحو الاجتهاد.
ولكن للأسف أن البعض من طلبة العلوم الدينية عندما يصلون في دراساتهم إلى المراحل العليا ويحضرون درس الخارج فانهم يهملون المنهج الدراسي الأساسي والحال أن الخطوات الأساسية للاجتهاد هي هذه المتون.

6_ تعامله مع الأساتذة:

ليس وظيفة الأستاذ فقط أن يشرح المطلب للطالب وأيضا ليس وظيفة الطالب فقط أن يصغي لأستاذه فان العلم والتعلم وان كان فيه جانب نظري وعلمي إلا أن فيه أيضا جانب عملي وتربوي يعني أن شخصية الطالب تبنى عن طريق السلوك العملي والأخلاقي للأستاذ وان لم يكن أثره كبيرا فهو ليس بقليل فان تلقي المثل الأخلاقية والصفات المعنوية إنما تؤخذ من الأستاذ وذلك للعلاقة القريبة المباشرة.
وعلى أساس هذه الروابط الحميمة المبنية على أساس ديني:
أولا: لابد أن يتأثر الطالب روحيا وأخلاقيا بأستاذه وان يطبق هذه القيم العملية المطلوبة في حياته على نفسه.
وثانيا: الإصغاء للمطالب التي يلقيها الأستاذ جيدا والإجابة على الشبهات والأسئلة العلمية بالتباحث مع الأستاذ.
فان العلاقة التربوية هي نفس العلاقة التعليمية فهي علاقة متقابلة فطرف بيد الأستاذ والطرف الآخر بيد الطالب يعني على الأستاذ أن يشخص ذووا الاستعداد من الطلبة والمجدين منهم ومن ثم في المرحلة اللاحقة أن يجعلهم تحت نظره الدقيق وبشكل خاص (إضافة إلى العلاقة والنظرة العامة لجميع الطلبة) وعلى الطالب أن يكون ذو استعداد وقابلية للتعلم فان السلوك العملي والتربوي في المسلك العرفاني حاكم وشديد فأي شخص أراد الدخول في مسلك العرفاء وأراد السير في طريقهم لابد أن يكون تحت إشراف عارف صاحب منازل في السير العرفاني وأن يكون سيره بدقه واحتياط وإنصافا إن هذا هو افضل سلوك عملي نحو الوصول إلى المطلوب.
ولا ننسى لحسن الحظ أن من أهم ميزات النظام التعليمي في الحوزة العلمية هو وجود العلاقة التربوية والأخلاقية بين الطالب والأستاذ إضافة إلى العلاقة العادية وهذه هي إحدى الميزات الفارقة بين النظام التعليمي الحاكم على الحوزة وبين النظام الحاكم على الجامعة.
وعلى أساس هذا الأصل التربوي فان لسماحة آية الله العظمى المحقق الكابلي (دام ظله العالي) صلة قريبة وحميمة مع أساتذته الذين كل واحد منهم هو من سلاطين الحوزة العلمية ورجالها وكانت تربطه بهم علاقة خاصة.

الفصل الثاني: رجوعه من النجف الأشرف وإقامته في مدينة كابل:

نال درجة الاجتهاد المسلم سماحة آية الله العظمى المحقق الكابلي (دام ظله العالي) خلال عشرين سنة بين الدرس والتحقيق والتدريس المستمر في حوزة النجف الأشرف العلمية وتحت ظل عناية الأئمة الأطهار (عليهم السلام).
وفي تاريخ 22/2/1351 قصد الرجوع إلى وطنه من النجف الأشرف محملا بالثقافة ومعارف الإسلام العظيم.
نعم هذا الرجوع هو رجوع تاريخي ومصيري، رجوع يسير بالمجتمع نحو التحول العظيم للتكامل والرشد.رجوع لمصداق الآية الشريفة ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (آية 122سورة التوبة)
وبهذا الرجوع فتح فصل جديد في حياته وأضاف أيضا رقما إلى التاريخ الثقافي والعلمي للشعب الأفغانية هذا الفصل هو فصل أداء الرسالة الإلهية الإسلامية وفصل الخدمة ونشر لأفكار اكثر من عشرين سنة من التعب والمصاعب والغربة والجهد المستمر لإعلاء كلمة التوحيد ونشر لفكر أهل البيت (عليهم السلام).
وجعل نفسه في خدمة الأمة التي عاشت طيلة القرون الماضية وجيل بعد جيل تحت سياط حكام الجور وكانت تؤخذ بجرم اتباعها لأهل البيت (عليهم السلام) وحمل ذلك على كاهله الضعيف بعدما أضيعت حقوق الأمة وديست شخصيتها وأهينت حرمتها واصبح المذهب والفكر مستورد والتهريب والإجرام وطن تمطر أبوابه وجدرانه فقرا وتفريقا.
نعم لو تتبعنا أهمية وقيمة هكذا خدمة في هكذا بلد فانه يرجعنا إلى أعماق تاريخ البلد ويعطينا صورة واضحة عن تاريخ الوضع المؤسف الذي تحمله الشيعة المحرمون في أفغانستان ولكن حينما انتشر في مدينة كابل خبر وصول سماحته إلى ارض أفغانستان هب لاستقباله المؤمنون بمائة وخمسون حافلة إلى مدينة غزني وقندهار وهذا ما لفت انتباه الدولة والأمة واخذ أهل مدينة كابل يتساءلون أي شخصية عظيمة هذه هكذا تستقبل؟ واصبح الناس في تعجب وحيرة نعم إلى ذلك الحين لم تستقبل أي شخصية علمية كهذا الاستقبال.
وبعد رجوع سماحة آية الله العظمى المحقق الكابلي (دام ظله العالي) من النجف الأشرف إلى مدينة كابل بدأت إنجازاته وخدماته الكبيرة ضمن محور التدريس والتبليغ وإيجاد بناء المراكز التعليمية والثقافية والدينية والتصدي للإجابة على المشاكل الاجتماعية والمسائل الدينية للامة وكان يتابعها بكل إخلاص وجدية وبوجوده في مدينة كابل أسس حوزة عظيمة أضاءت الهوية الثقافية والدينية لشيعة أفغانستان وألبسوا روحا جديدة بالحضور المبارك حوله وهو شاهد على تقدمه العلمي على الآخرين. واشتغل سماحته لمدة سبع سنوات بالتدريس والتحقيق في الحوزة العلمية في مدينة كابل وكان يشكل العمود الفقري لحوزة كابل العلمية لما يعطيه من ثقل علمي وثقافي لها.
وبتأسيس المدرسة العلمية الكبيرة (جامعة الإسلام) في مدينة كابل فقد أوجد مركزا عظيما للتعلم وتعليم العلوم الإسلامية.
وكما أن زعامة الحوزة العلمية في كابل كانت بعهدته أيضا كان محورا لرجوع الأمة إليه وكان المؤمنون يراجعونه لاجل مشاكلهم الاجتماعية ومسائلهم الشرعية وفضلا عن ذلك قام بتوثيق العلاقات الدينية بين المؤمنين وربطهم بشكل اكبر بالأئمة الأطهار (عليهم السلام) وبإحياء الفكر الشيعي الأصيل وبخدمات كثيرة كإقامة مراسم العزاء ومجالس الوعظ والخطابة في مختلف المناسبات الدينية وخصوصا عشرة عاشوراء وأيام العزاء بشهادة سيد الشهداء أبا عبد الله الحسين عليه السلام وأصحابه الأوفياء وشهر صفر وأيام الجمع وليالي رمضان فان شعائر التشيع الثورية وقيم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وفكرهم بالحري أن يتحرك في هكذا محيط متقلب ومظلم (محيط قبل مدة ليس بعيدة) كان يعد ذكر أهل البيت وإقامة العزاء عليهم جرم ولاجل ذلك كان المؤمنون يضعون رقيبا على أبواب المنازل والسراديب التي يحيون ويقيمون فيها العزاء حتى يكونوا في مأمن من عيون النظام واستخباراته.
وأما من الناحية التبليغية الفكرية فقد شكل سماحته مركزا تبليغيا لمحاربة الأفكار والمكاتب المنحرفة وعلى رأسها الشيوعية لان سماحته كان ملتفتا إلى أهمية محاربة المكاتب الفكرية الواردة من الشرق والغرب والتي هي أهم من أي موضوع تبليغي آخر في الوقت الحاضر فان اتباع الأجانب وحاملي فكرهم كانوا يشكلون خطرا كبيرا على المجتمع الإسلامي.
وعلى رغم التقلبات الثقافية والسياسية الحاكمة على المجتمع الإسلامي الأفغاني وخصوصا المجتمع الشيعي من قبل الحكومات الاستبدادية وعلى رغم الفضاء السياسي والثقافي والإعلام المفتوح للانحراف يمينا وشمالا إلا أن الحق إن شيعة أفغانستان في مدينة كابل كانوا على وعي ثقافي وسياسي لا مثيل له فالنهضة الإسلامية بدأت نسيجها داخل الطاقات الثورية الشيعية وأخذت تتشكل بذرة المقاومة الإسلامية المستفيدة من السند القوي وهو الحوزة العلمية.
وتعتبر الحوزة العلمية الشيعية في مدينة كابل اكثر تطورا وأعلى مستوى من غيرها بالقياس إلى مستوى الحوزات والمدارس العلمية في أفغانستان سواء الشيعية أو السنية. وأخذت تضيء على مستوى الدول الإسلامية والى جنب الحوزات العلمية في النجف الأشرف وفي مدينة قم المقدسة ومشهد.
وظهرت بصورة حوزة علمية غنية ومركز عظيم لتعليم العلوم الإسلامية في عالم الإسلام بحيث ألحقت الهزيمة بالتكتلات الماركسية. وبإقامة آية الله العظمى المحقق الكابلي (دام ظله العالي) في مدينة كابل سبع سنوات كان له دور أساسي لنشر وظهور الفكر العلمي والثقافي والسياسي لشيعة أفغانستان وهذه خدمة في حدها ليست بقليلة.

الفصل الثالث: سفره إلى كابل ورجوعه مجددا إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية

بعد سقوط النظام الماركسي في أفغانستان وانتصار المجاهدين صمم آية الله العظمى المحقق الكابلي (دام ظله العالي) بعد أربعة عشر سنة من الهجرة والجهاد والعلم بضرورة الرجوع إلى البلد فكما أن رجوعه من النجف الأشرف إلى مدينة كابل كان رجوعاً تاريخياً ومصيرياً فهذا الرجوع أيضا كان تاريخيا لانه فتح فصلاً جديداً في حياته المباركة وأيضا أضاف رقما بهذا الرجوع إلى تاريخ البلد وخصوصا تاريخ التشيع حيث وضعه في مرحلة جديدة. وكان تصميمه على الرجوع في وقت أن المؤمنين والمجاهدين وقادة الجهاد والمقاومة بأشد الحاجة إليه والى العلماء الآخرين.
وبعد انتصار المجاهدين اصبح البلد في مرحلة تحول تاريخي عظيم وذلك لأن المؤسسات الثقافية وأسس النظام السياسية والاجتماعية والقيم الموجودة في المجتمع وما خلفه النظام السابق ينبغي أن تبنى على فكر إسلامي من دون تضارب بينها وهذا التضارب لا يمكن اجتنابه إلا بحضور دور للعلماء والفقهاء والعلماء المتخصصين بالعلوم الدينية في ساحة التحول الجديد وأيضا أن هذه الوجوه والشخصيات هم الضابطين والحراس الأصليين للفكر والقيم الإسلامية.
فإذا كان على راس النظام السياسي في المجتمع فقهاء وعلماء:
أولا: يكون هذا النظام اكثر ثباتا ويحفظ من الانحرافات والرغبات غير الدينية.
وثانيا: مثل هكذا نظام ستكون له مشروعية واكثر اعتباراً ومقبولية عند الناس.
وعلى هذا الأساس فان سماحته في تاريخ 20/2/1371هجري شمسي قصد مدينة كابل وأقام لمدة سنة واحدة تقريبا فيها في ظرف اكثر خطورة وحساسية من اجل إعلاء كلمة الله وإحياء الثقافة الشيعية ولإحقاق حق الأمة الشيعية ولكن حلاوة النصر وخطواتها لم تدم على الشعب الأفغاني المقهور والمحروم وبالخصوص الشيعة وان الأهداف وإقامة الحكومة الإسلامية ووحدة الشعب الأفغاني بسبب مطالب بعض التكتلات والمتكبرين تبدلت إلى خيال واصبح الأمن والصلح والصفاء فداءً للميول المنحرفة والمطالب الشيطانية وجرت بالبلد إلى الدم مرة أخرى.
وبحضور سماحة أية الله العظمى المحقق الكابلي (دام ظله العالي) لمدة سنة واحدة في مدينة كابل اخذ بإقامة صلاة الجمعة فيها وكان يستقبل أي خطر من اجل إقامة هذه الفريضة العبادية السياسية الإسلامية وكان يقيم هذه الفريضة الإلهية في زمن كان العدو يطلق الصواريخ على المنطقة ومناطق العبور.
وكان المسجد الذي كان تقام فيه صلاة الجمعة تحت الرقابة الشديدة للعدو وتعرض لمرات عديدة لقصف صاروخي ولكن بلطف الله أن هذه القذائف لم تصب المسجد إلا بعض الشظايا أصابت جدرانه وجرحت بعض المؤمنين والمصلين.
ومنزل إقامته أيضا كان هدفاً لقذائف العدو وأدى إلى خراب قسم من المنزل وأصابت الصواريخ الكثيرة البيوت القريبة والمجاورة له واستشهدت مجموعة من الرجال النساء من المسلمين والشيعة العزل الذين لا ذنب لهم.
وبكلمة واحدة طوال فترة إقامته سنة واحدة في مدينة كابل كان موضعاً لغضب العدو وهدفاً لقذائف العدو الحقود وفي جميع الحالات سواء كان في المسجد أو الحسينية أو في بيته أو في مسيره ولكن اللطف الإلهي والعناية الخاصة لأهل البيت (عليهم السلام) هي التي كانت تنجي وجوده المبارك من قلب الخطر وتحفظه لهذه الأمة الشيعية المحرومة المظلومة.
وأخيرا ينبغي أن يقال أن هذا الحضور لمدة سنة تقريبا كان حضورا مصيريا وحضورا لتأمين التشيع وإحياءه مرة أخرى.
وبعد إقامته سنة واحدة تقريبا في مدينة كابل وقيامه بدور تاريخي في مجال المقاومة والدفاع المقدس رجع إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية في ربيع عام 1372هجري شمسي فكما كان رجوعه من إيران إلى كابل والى الأمة الشيعية المحرومة في أفغانستان ألبسها روحا جديدة وفرحوا بذلك الرجوع أيضا برجوع سماحته من كابل إلى إيران أحيا الروح عند المهاجرين الشيعة المظلومين واستقبله عامة المجتمع الشيعي الأفغاني من علماء وروحانيين وقادة سياسيين والمفكرين والجامعيين والطلاب والعمال وأخيرا الشيب والشباب والمرأة والرجل واستقبل استقبالا لا نظير له.

back page Index Page next page